أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

151

نثر الدر في المحاضرات

وفي كتاب لنافع بن الأزرق « 1 » كتبه إلى قعدة الخوارج : ولا تطمئنّوا إلى الدنيا فإنها غرّارة ، مكّارة ، لذتها نافذة ونعيمها بائد . حفّت بالشهوات اغترارا ، وأظهرت حبرة ، وأضمرت عبرة ، فليس لآكل منها أكلة تسرّه ، ولا شربة تونقه إلّا دنا بها درجة إلى أجله ، وتباعد بها مسافة من أمله . وإنما جعلها اللّه دارا لمن تزوّد منها إلى النّعيم المقيم ، والعيش السليم ، فلن يرضى بها حازم دارا ، ولا حكيم بها قرارا ، فاتقوا اللّه : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] . والسلام على من اتبع الهدى . ولما حاربهم المهلّب بسلّى ، وسلّيرى ، فقتل رئيسهم : ابن الماخور اجتمعوا على الزبير بن علي من بني سليط ، وبايعوه ، فرأى فيهم انكسارا شديدا ، فقال لهم : اجتمعوا . فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلّى اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثم أقبل عليهم فقال : إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر ، وهو على الكافرين عقوبة وخزي ، وإن نصب منكم أمير المؤمنين فما صار إليه خير مما خلّف . وقد أصبتم فيهم مسلم بن عبيس ، وربيعا الأجذم ، والحجاج بن باب ، وحارثة بن بدر ، وأشجيتم بالمهلّب ، وقتلتم أخاه المعارك ، واللّه يقول لإخوانكم من المؤمنين : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] فيوم سلّى كان لكم بلاء وتمحيصا ، ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالا ، فلا تغلبنّ عن الشكر في حينه ، والصّبر في وقته ، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض والعاقبة للمتقين . ولمّا استردّ مصعب المهلب من وجه الأزارقة ، وولاه الموصل شاور الناس فيمن يستكفيه أمر الخوارج ، قال قوم : ولّ عبيد اللّه بن أبي بكرة . وقال قوم : ولّ عمر بن عبيد اللّه بن معمر . وقال قوم : ليس لهم إلا المهلب فاردده إليهم . وبلغت المشورة الخوارج ، فأرادوا الأمر بينهم . فقال : قطريّ ابن الفجاءة المازني : إن جاءكم عبيد اللّه بن أبي بكرة أتاكم سيد ، سمح ، كريم ، جواد مضيّع

--> ( 1 ) هو نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري ، أبو راشد ، رأس الأزارقة من الخوارج وإليه نسبتهم ، كان أمير قومه وفقيههم . توفي سنة 65 ه ( الأعلام 7 / 351 ) .